أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

410

شرح مقامات الحريري

دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 107 ] أي مدة دوامهما ، يريد أن العاقل يحتمل ضرّ الزمان ولا يشتكي والجاهل الّذي متى رجع عن التشكّي لم يرجع رجوعا حسنا ، بل يعوي بالتّشكي عواء الذئب . * * * فقال الغلام للنّظارة : يا للعجيبة ، والطرفة الغريبة ! أنف في السّماء ، واست في الماء ، ولفظ كالصّهباء ، وفعل كالحصباء . ثمّ أقبل على الشّيخ بلسان سليط ، وغيظ مستشيط ، وقال : أفّ لك من صوّاغ باللّسان ، روّاغ عن الإحسان : تأمر بالبرّ ، وتعقّ عقوق الهرّ ، فإن يكن سبب تعنّتك ، نفاق صنعتك ، فرماها اللّه بالكساد ، وإفساد الحسّاد ؛ حتّى ترى أفرغ من حجّام ساباط ، وأضيق رزقا من سم الخياط فقال له الشيخ : بل سلّط اللّه عليك بثر الفم ، وتبيّغ الدّم ؛ حتّى تلجأ إلى حجّام عظيم الاشتطاط ، ثقيل الاشتراط ، كليل المشراط ، كثير المخاط والضّراط . * * * قوله : الطّرفة الغريبة ، أي التي لم ير مثلها . الصّهباء : الخمر . الحصباء : الحجارة . سليط ، أي متسلط . مستشيط : منتشر في الشرّ ملتهب في الغضب صوّاغ : كذّاب ، وصاغ الكذب : صنعه . راغ : مال إليه من حيث لا يعلم ، وراغ إلى أهله : رجع في إخفاء . روّاغ : ميّال وفرّار في خفية . تعقّ : تقطع وعقوق الهرة ، أنّها تأكل أولادها . وحكى الأصمعي في كتاب « أفعل من كذا » ، يقال : أعقّ من ضبّ ، قال : أرادوا ضبّة ، فكثر الكلام بها فقالوا : ضبّ ، وعقوقها أنها تأكل أولادها ، وذلك أن الضّبّة ، إذا باضت حرست بيضتها من كلّ ما قدرت عليه من ورل وحيّة وغير ذلك ، فإذا خرجت أولادها من بيضتها ظنتها شيئا يريد بيضها ، فوثبت عليه تقتله ، فلا ينجو منها إلا الشديد . قال : وهذا موضوع قد وضعته العرب في موضعه ، وأتت بعلّته ، ثم جاءت إلى ما هو في العقوق مثل الضّبّة ، فضربت به المثل على الضدّ ، فقالوا : أبرّ من هرّة ، وهي أيضا تأكل أولادها ، فحين سئلوا عن الفرق وجّهوا أكل الهرة أولادها إلى شدة الحبّ ، فلم يأتوا بحجّة مقنعة . وقال الشاعر : أما ترى الدّهر وهذا الورى * كهرّة تأكل أولادها واختصم إلى شريح ، في ولد هرّة ، فقال شريح : ألقه مع هذه ، فإن هي قرّت ودرّت واسبطرّت ، فهو لها ، وإن هي هرّت وفرّت واقشعرّت ، فليس لها . اسبطرّت : اضطجعت وهرّت كهرت ، من هرير الكلب ، واقشعرّ الجلد : قامت شعوره . قوله : تعنتك : طلب مشقتك ، والتّعنّت : طلب الزّلّة ، وتعنّته أدخل عليه الأذى إذا